ترتبط فرص التعافي من المرض، بدرجة كبيرة، بجودة الرعاية الصحية المتاحة، والقدرة على الوصول إلى أدوات التشخيص، ومدى سهولة حصول المريض على العلاج.

 

وتقول بسمة عبد العزيز، الكاتبة والطبيبة النفسية، إن المستشفيات والعيادات التي تقدم خدمات توصف بأنها «مجانية» تشكل عاملًا حاسمًا في تحديد مسار المرض والسيطرة على نتائجه وتحسين فرص الشفاء، خصوصًا لدى الطبقات الدنيا التي بالكاد تستطيع توفير قوت يومها، فتفضل تحمل الألم والأعراض على دفع تكاليف العلاج، وتحتفظ بما لديها من دخل محدود لنفقات تراها أكثر إلحاحًا وجدوى، مثل تعليم أبنائها.

 


الرعاية الصحية المجانية تتحول إلى ملاذ للطبقة المتوسطة المتآكلة


وأضافت عبد العزيز في تقرير نشره موقع المنصة تخضع الأمراض العضوية والاضطرابات النفسية لمعدلات إحصائية معروفة، ويمكن رصد انتشارها داخل طبقة اجتماعية أو فئة عمرية أو مجموعة سكانية معينة من خلال الجداول والرسوم البيانية، لتصبح المعلومات متاحة للمتخصصين ولكل من يهتم بها. لكن الصورة تتغير عندما تتدهور الظروف الاقتصادية بصورة حادة، وتتسع المسافات الفاصلة بين الناس لتتحول إلى فجوات وشروخ عميقة.


ويترك هذا التحول آثارًا صارخة على صورة المجتمع وحصيلة أزماته. وقد لا تظهر هذه العلامات في وقت مبكر، لكنها تنمو سريعًا في الظل، قبل أن تتضخم وتخترق الحجب التي تخفيها، وتفرض نفسها على المشهد بوضوح قاسٍ.


تتغير العيادات التي اعتاد أطباؤها علاج المرضى محدودي الدخل بصورة يصعب معها التعرف إليها. في المشهد القديم، كانت الأمهات الفقيرات يدبرن أجرة الحافلة، أو يستدينّها، حتى يتمكنّ من اصطحاب أطفالهن إلى العيادة، ويحصلن على دقائق قليلة ثمينة تساعدهن على الوصول إلى تشخيص سليم. ثم يعدن مرة أخرى للحصول على الدواء، ويغادرن وهن ممتنات، يأملن في تدارك الضرر، والسيطرة على المرض في الوقت المناسب، ورؤية أطفالهن يكبرون أصحاء، يتحركون ويتحدثون ويتصرفون مثل أبناء الجيران والزملاء.


أما المشهد الجديد فيبدو مختلفًا تمامًا. فتتوقف سيارات متوسطة المستوى أمام العيادات نفسها، وكأنها تشعر بالحرج من وجودها هناك ولا تعرف كيف تتصرف في هذا المكان. وتحمل هذه السيارات ركابًا لا ينتمون هذه المرة إلى الأسر محدودة الدخل التي اعتادت تلك العيادات استقبالها، بل إلى أشخاص وصلوا حديثًا إلى الفقر، ويشعرون بالاضطراب أمام احتياجاتهم المتزايدة، ولم يعودوا قادرين على الحفاظ على العادات والطقوس التي اعتادوا اعتبارها من المسلمات.


لم يعد هؤلاء قادرين على تحمل تكلفة الطبيب في عيادته الخاصة، فلجأوا إلى الخدمات «المجانية»، التي تحولت هي الأخرى إلى خدمات تستلزم دفع المال.


قد يبقى المبنى نفسه، والخدمة نفسها، وحتى عدد التذاكر المباعة نفسه، لكن المشهد تغير، وأصبح أكثر حزنًا. فهو يكشف، من دون قصد، اختفاء طبقة اجتماعية كاملة من الصورة، وحلول طبقة أخرى محلها؛ وكلتاهما تعانيان البؤس، وتتحسران على حظهما، وتبحثان عن أي سبيل لتخفيف الألم.


وتجلس أمهات داخل غرف تبدو جدرانها وكأن الفقر أكلها من الداخل، بعدما عجزن عن توفير أجرة الحافلة أو التوك توك أو الميكروباص، فلم يستطعن اصطحاب أبنائهن وبناتهن لتلقي العلاج. كما عجزن عن تحمل تكلفة الجلسات التي يمكن أن تساعد هؤلاء الأطفال على عيش حياة أقرب إلى الطبيعية، ومواصلة تعليمهم، والحصول حتى على أقل قدر من فرص التقدم وتحسين أوضاعهم.


وأمام مكتب الطبيب، يجلس أب يخجل من وجوده في المكان، بينما تخفي أم وجهها المحمر، وتطأطئ رأسها، وتحدق في الفراغ، وتلعن اليوم الذي اضطرت فيه إلى ابتلاع كبريائها وطرق أبواب الخدمات المدعومة والمجانية.

 


الفقر يعيد توزيع عبء المرض بين الطبقات


هناك مؤشرات غير مباشرة تشير إلى أن بعض الأمراض العضوية بدأت تترسخ بين أكثر الفئات احتياجًا وفقرًا. وخلال السنوات الأخيرة، خلت صفحة الإعلانات الاجتماعية في صحيفة حكومية شهيرة، وهي الصفحة التي اعتادت نشر إعلانات الخطوبة والتهاني بالمواليد والاحتفاء بالنجاحات، من قدر كبير من مظاهر الحياة الاجتماعية المعتادة.


وبدلًا من ذلك، امتلأت الصفحة بإعلانات موجهة إلى أشخاص مستعدين للتبرع بإحدى كليتيهم، مع ذكر فصيلة الدم وبيانات التواصل. وتحت كلمة «التبرع» في هذا السياق، ينبغي وضع ألف خط وعلامات استفهام لا تنتهي.


تعكس هذه الاستغاثات التي تنشرها الصحيفة عملية مخيفة من التمايز الطبقي داخل المرض نفسه، حيث تترسخ بعض الأمراض وتتحول، بصورة شبه فعلية، إلى عبء خاص بفئة بائسة من السكان. ويستطيع الشخص القادر على دفع تكلفة إعلان باهظ، والذي قد يوفر له المال، إذا نجح العلاج، عناء جلسات الغسيل الكلوي المتكررة ومضاعفاتها المتوقعة، أن يحصل على فرصة أفضل للعلاج. أما من يضطر إلى التخلي عن إحدى كليتيه، فهو الفقير الذي لم يعد لديه شيء آخر يقدمه.


وقد يُشفى الأول، ويواصل الثاني حياته، وهو يتأرجح كعادته على الحافة. أما الثالث، وهو الفقير الذي يعاني أيضًا من الفشل الكلوي، فيختفي بهدوء من المشهد، بينما تتراكم العوامل والأسباب التي تجعل اختفاءه أكثر احتمالًا.


ويجدر التوقف هنا عند تأثير البيئة المتدهورة المحيطة به، والتي ترسخ في النهاية حالة الانقسام والمسافة بين الطبقات. فمن جهة، يغيب تمامًا مصدر مياه نظيفة وصالحة للشرب يعتمد عليه جزء كبير من السكان، ومن جهة أخرى، تظهر زجاجات المياه النظيفة التي تخضع لعمليات تنقية وترشيح ومعالجة دقيقة قبل أن يشتريها عدد محدود من القادرين.


وبين الطرفين تتسع الفجوات حتى تمزق الأرض المشتركة التي وقف عليها المجتمع بأكمله ذات يوم، فتجد كل طبقة أو فئة نفسها فوق أرض منفصلة، وتسير في طريقها الخاص، بعيدًا عن بقية المجتمع.

 


المرض النفسي لدى الأطفال وفجوة العلاج المبكر


من الطبيعي والمفهوم أن تتحول الطبقات الدنيا إلى بيئة خصبة لنمو الأمراض وانتشارها. ومن المتوقع كذلك ارتفاع معدلات بعض الأمراض العضوية التي تثيرها الظروف السيئة وتساعد على استمرارها، خصوصًا مع تراجع جودة الغذاء لصالح الأطعمة التي تؤدي وظيفتها الأساسية في ملء المعدة وإسكات الجوع.


أما الاضطرابات النفسية التي تصيب الأطفال، فينشأ كثير منها من دون سبب بيئي محدد يمكن الجزم به، وغالبًا ما تتقارب معدلات الإصابة بها بين مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية. لكن الاستجابة لهذه الاضطرابات، ومحاولة التعامل مع أعراضها، وإخضاع الطفل للفحص والتقييم، تبتعد تمامًا عن أي مفهوم للمساواة، إذ يتحدد مسارها وفقًا للوضع الاقتصادي للأسرة.


ومن الممكن علميًا الحد من الآثار التي قد تلحق بالطفل، وهي آثار قد تعوقه في مختلف مجالات الحياة وتشل قدراته بصورة دائمة. لكن عدم طلب المساعدة خلال المراحل المبكرة يقلل فرص الوصول إلى نتيجة إيجابية، ويرفع احتمالات النتائج السيئة.


ويضيف ذلك أعباء جديدة إلى أسرة مثقلة أصلًا بالمشكلات، ويضاعف ميلها إلى إهمال الوضع الصعب بأكمله، ووضع الطفل ومشكلاته المستعصية جانبًا، وتوجيه اهتمامها نحو ما يبدو أكثر إلحاحًا وأسهل في التعامل معه.


وفي كل الأحوال، تتكاثر العلامات والمؤشرات الدالة على الأزمة، وتتبلور داخلها سيناريوهات قاتمة يصعب تجاهلها. ويبدو خطر تفاقم هذه الأوضاع وانفجارها قائمًا ما لم تحصل على الاهتمام الذي تستحقه، وما لم يتحرك المجتمع لإعادة من سقطوا بصمت، ومن دون أن يلاحظهم أحد، إلى دائرة الضوء.

 

https://almanassa.com/en/stories/33718